الشيخ محمد رشيد رضا

510

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقربونهم اليه زلفى كما حكاه التنزيل عن المشركين ، وبيناه في مواضع من هذا التفسير « 1 » وفي مثل هذا التشبيه الوثني وتمثيل تصرف الرب العظيم الغني عن عباده بتصرف الملوك المستبدين الجاهلين الذين يحتاجون إلى وزرائهم وبطانتهم في حمله على ما ينبغي له فيهم - قال اللّه تعالى ( فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ ) وبين في هذه الآية وأمثالها أن رسل اللّه تعالى وهم صفوة خلقه لا يشاركون اللّه تعالى في صفة من صفاته ، ولا تأثير لاحد منهم في علمه ولا في مشيئته ، لأنها كاملة أزلية لا يطرأ عليها تغير ، وأن الرسالة التي اختصهم اللّه تعالى بها لا يدخل في معناها إقدارهم على النفع والضر بسلطان فوق الأسباب المسخرة لسائر البشر ولا منحهم علم الغيب وإنما هي تبليغ وحي اللّه تعالى وبيانه للناس بالقول والفعل والحكم ودليلنا على اختيار هذا الوجه أن مدار العبودية على توجه العباد إلى المعبود فيما يرجون من نفع ويخافون من ضر ، فاستعمل اللفظان في التنزيل في بيان أن الرب المستحق للعبادة هو من يملك الضر والنفع غير خاضع ولا مقيد بالأسباب العادية كقوله تعالى ( 5 : 79 قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) وقوله في عجل بني إسرائيل ( 20 : 89 أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) وقوله ( 48 : 11 قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ؟ ) وقوله ( 13 : 17 قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلِ اللَّهُ ، قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؟ ) وقوله ( 25 : 3 وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ) الآية فلما كان ملك الضر والنفع بهذا الاطلاق خاصا برب العباد وخالقهم ، وكان طلب النفع أو كشف الضر عبادة لا يجوز أن يوجه إلى غيره من عباده مهما يكن فضله تعالى عظيما عليهم - أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصرح بالبلاغ عنه أنه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا ، وقد تكرر هذا الأمر له في القرآن مبالغة في تقريره وتوكيده فقال تعالى في سورة يونس ( 10 : 49 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ

--> ( 1 ) يراجع لفظ الشفاعة والشفعاء في فهارس أجزاء التفسير كلها